محمد بن جرير الطبري

465

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك بالصواب ، قولُ من قال : كل يمين منَعت المقسم الجماعَ أكثر من المدة التي جعل الله للمولي تربُّصَها ، قائلا في غضب كان ذلك أو رضًا . وذلك للعلة التي ذكرناها قبل لقائلي ذلك . وقد أتينا على فساد قول من خالف ذلك في كتابنا ( كتاب اللطيف ) بما فيه الكفاية ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : فإن رجعوا إلى ترك ما حلَفوا عليه أن يفعلوه بهن من ترك جماعهن ، فجامعوهن وحنِثوا في أيمانهم = " فإن الله غفورٌ " ، لما كان منهم من الكذب في أيمانهم بأن لا يأتوهن ثم أتوهُن ، ولما سلف منهم إليهن ، ( 1 ) من اليمين على ما لم يكن لهم أن يحلفوا عليه فحلفوا عليه = " رحيم " بهم وبغيرهم من عباده المؤمنين . * * * وأصل " الفيء " ، الرجوع من حال إلى حال ، ومنه قوله تعالى ذكره : ( وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ) إلى قوله ( حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ) [ سورة الحجرات : 9 ] ، يعني : حتى ترجع إلى أمر الله . ومنه قول الشاعر : ( 2 ) فَفاءَتْ وَلَمْ تَقْضِ الَّذِي أَقْبَلَتْ لَهُ . . . وَمِنْ حَاجَةِ الإنْسَانِ مَا لَيْسَ قَاضِيَا ( 3 )

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " وبما سلف " والسياق يتطلب ما أثبت . ( 2 ) هو سحيم عبد بني الحسحاس . ( 3 ) ديوانه : 19 وحماسة ابن الشجري : 160 وغيرهما من قصيدته الغراء العجيبة وقد مضى منها بيت فيما سلف 1 : 106 ن 447 . والضمير في قوله : " ففاءت " إلى صاحبته التي ذكرها وذكر ما بينه وبينها . ورواية الطبري وابن الشجري أحب إي من رواية الديوان : " ولم تقض الذي هو أهله " . يقول : عادت إلى أهلها وقد أضاعت ما كانت مزمعة أن تفعله ، أنساها حبه وغزله ما كانت نوته وإرادته . فيعزيها بأن المرء ربما طلب قضاء شيء ويشاء الله غيره فإذا هو لا يقتضيه .